السيد محمد تقي المدرسي
464
من هدى القرآن
هدى من الآيات : هل وراء ذلك اليوم الرهيب أمر آخر ؟ بلى ؛ ما هو أخطر منه النار أو الجنة . أوليست جهنم مرصاد الطاغين ، والجنة مفازة كريمة للمؤمنين ؟ ولكن لماذا يلبث الطغاة في جهنم أحقابا متمادية قد تصل إلى درجة الخلود ؟ لأنها سنة إلهية كما هي سنة أن النار تحرق والماء يتبخر ، وحيث إنهم لم يعوا هذه السنة ، بل وكذبوا بها وبآيات الله التي حذرتهم منها ، فإنهم انتهوا إليها ، وقد وعى المتقون هذه السنة فاتقوا النار وتجنبوا ما يؤدي بهم إليها ، فإنهم فازوا بالجنة التي استقبلتهم بحدائقها وفواكهها وكواعبها وأمنها وسلامها . إنها أيضا الجزاء المناسب الذي أعده الله لهم . ويمضي السياق في تحذير الإنسان من يوم النشور ، ويصوِّر بعض مواقفه بعد أن يذكِّرنا بالله سبحانه رب السماوات والأرض وما بينهما ، ففي ذلك اليوم تخشع أصوات العباد وأصوات الروح والملائكة الذين يقفون صفًّا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن . في ذلك اليوم يتساقط زيف الباطل ، ويتجلى الحق بكل أبعاده ، ولا تزال فرصة الاختيار للإنسان في هذه الدنيا قائمة ، فمن شاء عاد إلى ربه تائبا خشية ذلك اليوم . أما من يكفر فإن الله ينذره بعذاب قريب - بالرغم من أن الشيطان يبعده عن ذهن البشر - يقع في ذلك اليوم الرهيب الذي يرى الإنسان ما قدمت يداه من خير وشر متجسدين في جزاء حسن أو عذاب شديد ، وحين يرى الكافر حقائق أعماله يتمنى لو بقي ترابا ولم يحشر لمثل ذلك الجزاء . بينات من الآيات : [ 21 ] يتعامل الإنسان مع سنن الله العاجلة في الطبيعة من حوله ، فتراه يتجنب النار أن يحترق بها ، والحيات أن تلدغه ، والجراثيم أن تغزوا جسده فتهلكه ، فلماذا يا ترى لا يتجنب تلك السنن الآجلة ، وما الفرق بين نار تحرقه اليوم وأخرى تحرقه غدا ، أو حية تلدغه من جحر في الصحراء وأخرى يصنعها بعمله لتلدغه غدا في الآخرة ، ومن ميكروب يتكاثر في جسمه اليوم وآخر يزرعه في حياته الدنيا ليحصده في تلك الدار الحق ؟ ! . إن سنن الله في الدنيا تذكِّر بما يماثلها في الآخرة ولكن الإنسان يؤمن بواحدة ويترك أخرى . لماذا ؟ يبدو من آيات القرآن عموما ، وهذا السياق بالذات ، أن الجزاء يوم النشور نوعان : الأول : هو العمل ذاته الذي يرتكبه اليوم ويتجسد له جزاء وفاقا في الآخرة ، كمثل نار